مقال منقول من
سودانيز اون لاينالدين لا يطرح قضايا فكرية عميقة ذات أهمية، بل يطرح قضايا وجودية بفلسفة مثالية لا يمكن إخضاعها إلى العقل الآدمي. وإذا كان العقل الذي هو ميزة الإنسان التي تميّزه عن بقية المملكة الحيوانية غير قادر على التثبّت من الحلول التي يطرحها الدين على المستوى المثالي، فلا أعلم سبباً واحداً لكونه موجوداً ، ولكون ميزة بيولوجية وديناميكية ضرورية في التمييز بين الإنسان وبقية المخلوقات. فمسألة مثل (قصة الخلق) يطرحها الدين في شكل خرافة لا يمكن القبول بها إلا في إطارها المثالي الذي لا يمكن التثبّت منه. في حين يرفض المفكرون الدينيون الاستناد على الأطروحات والاكتشافات العلمية التي تقدم لنا حلول بديلة عن أسطورة خلق الإنسان في قالب علمي يمكن مناقشته وتداوله للتوصل في النهاية إلى حقائق مثبتة. والأدهى من ذلك أنّهم يحاولون لوي عنق القرآن لخلق المقاربة بينه وبين الاكتشافات العلمية، ليقولوا بعد ذلك بما يسمونه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. وما يحدث في هذا المنبر يشابه كثيراً العقلية الدينية التي نتحدث عنها. فأغلب أصحاب المذاهب الفكرية الدينية هنا لا يمكنهم الإتيان بموضوعات فكرية دون الاستعانة بمقتبسات. فأمثلة البوستات التي يفتحها هؤلاء كثيرة وأغلبها قائمة على النقل. كما أن العقلية الدينية أصلاً قائم على النقل. بوستات من قبيل: (200 دينماركي يدخلون الإسلام) وغيرها من البوستات الإخبارية التي يسعى هؤلاء إلى قلب الشبكة العنكبوتية رأساً على عقب للإتيان بمثل هذه الأخبار التي يظنون أنها تدعم تيارهم الوهمي. ولكن ليس هذا هو موضوعي هنا. أنا أريد فقط من الأخوة والأخوات الاطلاع على هذه الأبيات الشعرية ، ومن ثم الإجابة على السؤال الذي في نهاية هذا البوست:
يـشـتهي الإنسـانُ في الصـيفِ الشتاء
فــــإذا مـا جـــاءه أنــكــره
فـهـــو لا يــرضى بعـيش واحـدٍ
قُـتـــل الإنـســان ما أكـفـرَه(1)
____________
اقـتـربت السـاعة وانشــق الـقـمــر
عـن غــزال صــاد قلـبـي ونـفــر(2)
____________
أمــا والـذي لا يعـلـم الـســرّ غـيــره
ويُـحــيـي العـظــام البيـض وهـي رميم
لـقــد كـنـت أطوي البطن والزاد يُشـتـهى
مـخــافــة يـومـاً أن يُـقـــال لئيــم(3)
___________
بـالله يُـــدرك كـــــل خــيـــــر
والـقـــول فـي بـعــضــه تـلغـيـب
والله لـيــــس لــــــــه شـــريك
عـــــــلام مــا أخــفــت القلوب(4)
___________
وأســلـمـت وجهـي لمـن أسـلـمـت لـه
الأرض تـحــمـــل صــخـــراً ثـقـالا
دحـــاها فـلمـا اسـتـــوت شــــدها
بــأيـدٍ وأرسـى عـليــــــها الجبالا(5)
___________
وبـثّ الـخــلـــق فيها إذ دحـاها
فـهــم ســكــانــها حتى التنادِ(6)
___________
ألا كــل شـئ هــالـك غــيـر ربـنـا
ولله مـيــراث الـــذي كــــان فـانيا
لــه مـا رأت عـيـن البصــيـر وفـوقه
ســمــاء الإلــه فـــوق سبع سمائيا(7)
___________
وتــرى شــيـاطـيـنـا تــروغ مـضـافـة
ورواغــهــا شـتــى إذا مـــا تـطـــرد
تـلـقـى عـلـيها فـي السـمـاء مــذلـــة
وكــواكـب تـــــرمـى بها فـتــعــرد( 8 )
___________
وسـبحــان ربـي خـــالـق الـنـور لـم يـلـد
ولــم يـك مـولـوداً بــــذلـك أشـــهـــد
وســبحــانــه مـن كــل إفـــك وبـــاطـل
ولا والــــد ذو العـرش أم كــيــف يــولــد
هــو الـصـمـد الحــي الــذي لــم يـكن لـه
مـن الـخـلق كـفــؤ قـــد يضـاهـيه مضــدد
تـســبـحــه الـطـيـر الحــوائج في الخـفـا
وإذ هـــــي فـي جـــو الـسـمــاء تصــعد
ومـــن خـــوف ربـي ســبــح الرعد فوقنا(9)
____________
مــن الـحــقــد نيـران العــداوة بـيـنـنـا
لئــن قــال ربـــي للـمـلائـكـة اســجـدوا
لآدم لـمــا أكـمــــــل الله خــــلــقــه
فـخـــروا لــــه طــــوعــاً سجودًا وركدُ
فـــقــال عـــدو الله للـكـبــر والشـقــا
أطــيـن عــلى نـــــار الـسـمـوم يسـود(10)
____________
مــلأ وقـد صـرعت مـن حـولـهــا الأمـــم
حـتـى تـســوت عـلى الجـــودي راســيـة
بكـل مـا اســتــودعــت كــأنـها أطــم(11)
_____________
الــخـالـق البـــارئ المصور
في الأرحـام ماءً حتى يصير دماً(12)
_____________
نـطــفـــة مـا مُـنـيـت يـــوم مـنيتُ
أمــرت أمـرها وفــيــــهـا ربــيــتُ
كـنّــــها الله فـــي مكـــان خــفــيّ
وخــفـيّ مـكــانــــها لــو خـَفـيتُ(13)
السؤال هنا هو ما رأيّ أصحاب الفكر الديني في هذه الأشعار لا سيما إذا عرفنا أنّ هذه الأبيات هي أجزاء من قصائد لشعراء جاهليين عاشوا وماتوا قبل الإسلام؟
________________
الهوامش:
(1) امرؤ القيس
(2) نفس الشاعر السابق
(3) حاتم الطائي
(4) عبيد بن الأبرص
(5) زيد بن عمرو بن نفيل
(6) أميّة بن أبي الصلت*
(7) نفس الشاعر السابق
(

نفس الشاعر السابق
(9) نفس الشاعر السابق
(10) نفس الشاعر السابق
(11) نفس الشاعر السابق*
(12) النابغة الذبياني
(13) السوءل بن عاديا الغساني (شاعر يهودي)
_____________
* هذا الشاعر قال عنه صلعم في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس (آمن شعر أميّة وكفر قلبه)
* يذكر سفر التكوين وكذلك التوارة أن المكان الذي رست فيه سفينة نوح أسمه (جبل آرارات) وليس الجودي.